يرى تسفي بارئيل، محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة هآرتس، أن الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران لا تعني عودة الحرب بين البلدين، بل تعكس ما يشبه «حوارًا بالرسائل» يحدد من خلاله الطرفان حدود ضبط النفس. ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه ناقلات النفط عبور مضيق هرمز عبر ممر آمن أنشأته الولايات المتحدة، بينما تظل السيطرة الرسمية على المضيق ومكانة إيران فيه رهنًا بتسوية سياسية محتملة.


ووفقًا لما نشرته صحيفة هآرتس، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديًا جديدًا في حملته الاقتصادية ضد إيران، بعدما اختارت واشنطن بنك مصر كأول هدف رئيسي لإجراءاتها التنفيذية. ويهدف هذا التحرك إلى توجيه رسالة تحذير إلى البنوك والمؤسسات المالية والدول في المنطقة من الاستمرار في لعب دور الوسيط في التعاملات مع طهران، لكن صعوبة تنفيذ هذه السياسة لا تقتصر على فرض العقوبات، بل تمتد إلى مراقبة المخالفات ومنع الأموال الإيرانية من الانتقال عبر قنوات بديلة، فضلًا عن التكلفة السياسية والاستراتيجية التي قد تتحملها الولايات المتحدة.


مضيق هرمز يبقى مفتوحًا رغم التوتر الأمريكي الإيراني


لا يشير تبادل الضربات بين واشنطن وطهران، بحسب بارئيل، إلى استئناف الحرب. فقد استهدفت الولايات المتحدة ما وصفته بأنه منصات لإطلاق الصواريخ في جزيرة لارك بمضيق هرمز، والتي كانت تستعد لإطلاق صواريخ مضادة للسفن داخل الممر الملاحي، وردت إيران بإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ على قواعد أمريكية في الأردن والإمارات العربية المتحدة.


وتندرج هذه التحركات ضمن رسائل متبادلة تسعى إلى رسم حدود التصعيد، وليس فتح جبهة حرب جديدة.


ويواصل النفط تدفقه عبر مضيق هرمز في ممر آمن أنشأته الولايات المتحدة، بمعدل يقدر بنحو 12 إلى 15 مليون برميل يوميًا، مقارنة بنحو 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب. لكن السيطرة الرسمية على المضيق ووضع إيران فيه لا يزالان ينتظران حلًا سياسيًا قد يخرج من اتفاق تعمل سلطنة عُمان وإيران على صياغة تفاصيله.


وطالما لم تتوصل الأطراف إلى ترتيب رسمي، سيستمر تدفق النفط، لكن المخاطر التي تواجه ناقلات النفط وتكاليف تأمينها ستظل تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي.


وفي هذا السياق، يركز ترامب حملته الرئيسية على ما أطلق عليه «عملية المنبوذ اقتصاديًا»، التي بدأت باستهداف بنك مصر، ثاني أكبر بنك في مصر والمملوك للدولة.


وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، يوم الجمعة، إن واشنطن حذرت الجهات التي تمكّن إيران من مواصلة أنشطتها من أنها لن تستطيع الاستمرار في الاستفادة من الدولار والنظام المالي العالمي. وأضاف أن بنك مصر الإمارات اختار، بحسب تعبيره، أن يختبر هذه التحذيرات، ولذلك بدأت الولايات المتحدة أولى خطوات مساءلته عن دعمه «الفادح والمستمر» للنظام الإيراني.


وأعلنت الإمارات أنها ستجري «فحصًا خاصًا وعاجلًا» لعمليات البنك المحلية، فيما رفض بنك مصر الاتهامات ووصفها بأنها لا أساس لها، مؤكدًا أن مصر ومؤسساتها المالية تبذل كل ما في وسعها لتنفيذ سياسات العقوبات.


ومنحت وزارة الخزانة الأمريكية البنك مهلة 30 يومًا لإثبات براءته وتقديم أدلة يمكن أن تؤدي إلى إلغاء العقوبات. وقدرت الوزارة أن فروع البنك الإماراتية عالجت، بين يناير 2024 ويونيو 2026، معاملات بقيمة تقارب 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يُحتمل ارتباطها بشبكات مصرفية إيرانية سرية.


وإذا عجز البنك عن إقناع وزارة الخزانة الأمريكية، فسيفقد بنك مصر الإمارات إمكانية التعامل المصرفي المراسل مع المؤسسات المالية الأمريكية، وبالتالي إمكانية الوصول إلى النظام المصرفي الدولي.


استهداف بنك مصر يوجه رسالة إلى المنطقة


لم تقتصر العقوبات على بنك مصر الإمارات، إذ استهدفت واشنطن أيضًا شركة واجهة مقرها هونج كونج، تقول الولايات المتحدة إنها ساعدت في غسل أموال لصالح شركة صرافة إيرانية خاضعة للعقوبات، إلى جانب مدير فرع دبي التابع لبنك ملي الإيراني، وهو أحد أكبر البنوك الإيرانية، والذي تشتبه واشنطن في إبرامه صفقات بمليارات الدولارات لصالح الحرس الثوري الإيراني.


ويشير بارئيل إلى أن العقوبات المفروضة على بنك مصر الإمارات تتجاوز كونها إجراءً ماليًا محدودًا، إذ تستخدمها واشنطن كنموذج لإظهار شكل حملتها المالية الجديدة ضد إيران.


واختارت الولايات المتحدة بنكًا عربيًا كبيرًا لإرسال رسالة مباشرة إلى المؤسسات المالية والوسطاء والدول في المنطقة: أي جهة تستمر في لعب دور قناة لتمرير الأعمال مع طهران قد تفقد إمكانية الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار.


لكن هذه القضية نفسها تكشف حدود القوة الأمريكية، بحسب الكاتب. فإذا كانت الصفقات والتحويلات وآليات الالتفاف على العقوبات تعمل لسنوات عبر فروع مصرفية وشركات واجهة ومراكز مالية وسيطة، فإن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في إعلان عقوبات جديدة، وإنما في مراقبة الانتهاكات وإثباتها في الوقت الفعلي ومنع انتقال الأموال عبر قنوات بديلة.


وتبرز فوق ذلك تكلفة سياسية محتملة. فقد تردع هذه الإجراءات البنوك والمؤسسات التجارية عن التعامل مع إيران، لكنها قد تخلق في الوقت نفسه توترات مع حلفاء وشركاء إقليميين تتعارض حملتهم ضد طهران أحيانًا مع مصالح اقتصادية وسيادية واستراتيجية أوسع.


وفي مصر، بدأت الخطوة الأمريكية تُفسر ليس فقط باعتبارها إجراءً ماليًا عقابيًا، بل أيضًا باعتبارها رسالة تهديد، خصوصًا أنها جاءت قبل أيام من زيارة مرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، والمقررة الأربعاء.
ومن المنتظر أن يبحث شي مع رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي توسيع التعاون الاقتصادي والعسكري بين مصر والصين.


وتطرح الخطوة الأمريكية تساؤلات في القاهرة حول سبب اختيار ترامب بدء حملته ضد إيران من خلال بنك مصري في الإمارات، بينما يبدو أكثر حذرًا في اتخاذ إجراءات مماثلة ضد الصين، التي تستورد معظم احتياجاتها النفطية من إيران وتشكل شريانًا اقتصاديًا رئيسيًا للنظام الإيراني.


كما يطرح الأمر سؤالًا آخر حول سبب انتظار الإدارة الأمريكية كل هذه الفترة قبل وقف عمليات البنك المصري في الإمارات، ولماذا استطاعت آلاف الشركات ورجال الأعمال الإيرانيين مواصلة تنفيذ صفقات بمليارات الدولارات في الإمارات.


صحيح أن واشنطن فرضت عقوبات فردية على بعض الشركات والشخصيات في الإمارات، لكن إيران، بحسب بارئيل، تمتعت بصورة عامة بهامش واسع جدًا من حرية الحركة، إلى أن أعلنت أبوظبي في منتصف أغسطس تجميد جميع التعاملات مع إيران.


باكستان والصين تكشفان حدود استراتيجية ترامب


وعلى خلاف الإمارات، تواصل باكستان، التي تتوسط بين إيران والولايات المتحدة، تشغيل نظام للمقايضة التجارية مع طهران. وأُنشئ هذا النظام بموجب اتفاق بين البلدين عام 2022.


وفي مطلع أغسطس، ناقشت فرق من البلدين توسيع حجم التجارة، وأعلنت خطة طموحة تستهدف رفع قيمتها إلى 10 مليارات دولار، بالتزامن مع اتفاق إسلام آباد وطهران على فتح ستة معابر حدودية برية تربط بين البلدين.


وستتيح هذه المعابر لباكستان تصدير السلع إلى منطقة القوقاز، لكن واشنطن لم تصدر حتى الآن إدانة أو تحذيرًا بشأن هذه الخطوة.


وقد يتغير هذا الموقف بعد إعلان وزير الخزانة الأمريكي أن واشنطن ستفرض عقوبات جديدة على إيران أسبوعيًا.


وتكشف هذه التطورات أن حملة ترامب الاقتصادية ضد إيران تواجه معضلة تتجاوز قدرة العقوبات على قطع التمويل عن طهران. فكلما اتسعت شبكة العلاقات التجارية والمالية التي تربط إيران بدول وشركات مختلفة، ازدادت صعوبة إغلاق جميع المنافذ التي يمكن أن تستخدمها طهران للالتفاف على القيود الأمريكية.


كما تواجه واشنطن خطرًا آخر يتمثل في أن الضغط على مؤسسات مالية في دول حليفة قد يدفع تلك الدول إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية، خصوصًا عندما تتعارض العقوبات الأمريكية مع مصالحها الاقتصادية أو علاقاتها مع قوى دولية أخرى مثل الصين.


وفي الحالة المصرية، تزداد حساسية الموقف بسبب العلاقات المتنامية بين القاهرة وبكين، في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة الحفاظ على نفوذها الاقتصادي والأمني في المنطقة.


وبالتالي، لا تقتصر معركة ترامب الاقتصادية ضد إيران على حرمان طهران من الوصول إلى الدولار، وإنما تشمل أيضًا إدارة شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية. وقد تنجح العقوبات في ردع بعض البنوك والشركات، لكنها قد تدفع أطرافًا أخرى إلى البحث عن قنوات بديلة للتجارة والتمويل.


ويرى بارئيل أن التحدي الحقيقي أمام واشنطن يتمثل في تحقيق التوازن بين الضغط على إيران والحفاظ على العلاقات مع الحلفاء والشركاء، دون أن تتحول العقوبات إلى مصدر لتكاليف استراتيجية أكبر من المكاسب التي تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيقها.


وفي ظل استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، واستمرار قنوات التجارة الإيرانية مع دول مثل الصين وباكستان، يبدو أن قدرة الولايات المتحدة على خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل تظل محدودة. فالعقوبات تستطيع رفع تكلفة التعامل مع طهران، لكنها لا تستطيع بالضرورة إلغاء الدوافع الاقتصادية والاستراتيجية التي تدفع بعض الدول إلى مواصلة علاقاتها معها.


ومن هنا، قد تتحول «الحرب الاقتصادية» التي يشنها ترامب على إيران إلى اختبار أوسع للقوة الأمريكية، ليس فقط في مواجهة طهران، وإنما أيضًا في قدرتها على فرض قواعدها المالية على شبكة من الشركاء الذين يمتلكون مصالحهم الخاصة، وخصوصًا في الشرق الأوسط وآسيا.


ويبقى السؤال الأساسي، وفق تحليل هآرتس، ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على فرض عقوبات جديدة، وإنما ما إذا كانت قادرة على تنفيذها ومراقبتها وإغلاق منافذ الالتفاف عليها، من دون أن تدفع حلفاءها وشركاءها إلى الابتعاد عن النظام المالي والسياسي الذي تحاول الولايات المتحدة الدفاع عنه.

 

https://www.haaretz.com/middle-east-news/2026-09-01/ty-article/.premium/trumps-economic-war-on-iran-faces-political-threats-and-a-hefty-strategic-price/000001a0-5971-d692-a5e3-fb7d8e7a0000